محمد الريشهري
277
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
فليتأمّل هذه الخطبة ، فإنّ نسبتها إلى كلّ فصيح من الكلام - عدا كلام الله ورسوله - نسبة الكواكب المنيرة الفلكيّة إلى الحجارة المظلمة الأرضية ، ثمّ لينظر الناظر إلى ما عليها من البهاء والجلالة والرواء والديباجة ، وما تحدثه من الروعة والرهبة والمخافة والخشية ، حتى لو تليت على زنديق ملحد مصمّم على اعتقاد نفي البعث والنشور ؛ لهدّت قواه وأرعبت قلبه وأضعفت على نفسه وزلزلت اعتقاده ، فجزى الله قائلها عن الإسلام أفضل ما جزى به وليّاً من أوليائه ، فما أبلغ نصرته له تارةً بيده وسيفه وتارةً بلسانه ونطقه وتارةً بقلبه وفكره ، إن قيل : جهاد وحرب فهو سيّد المجاهدين والمحاربين ، وإن قيل : وعظ وتذكير فهو أبلغ الواعظين والمذكّرين ، وإن قيل : فقه وتفسير فهو رئيس الفقهاء والمفسّرين ، وإن قيل : عدل وتوحيد فهو إمام أهل العدل والموحّدين : ليس على الله بمُستنكر * أن يجمع العالمَ في واحدِ ( 1 ) وقال في ذيل الخطبة 221 : من أراد أن يعظ ويخوّف ويقرع صَفاةَ القلب ، ويعرّف الناس قدر الدنيا وتصرّفها بأهلها ، فليأتِ بمثل هذه الموعظة في مثل هذا الكلام الفصيح وإلاّ فليمسك ، فإنّ السكوت أستر ، والعيّ خير من منطق يفضح صاحبه ، ومن تأمّل هذا الفصل علم صدق معاوية في قوله فيه : " والله ما سنّ الفصاحة لقريش غيره " وينبغي لو اجتمع فصحاء العرب قاطبةً في مجلس وتُلِيَ عليهم أن يسجدوا له كما سجد الشعراء لقول عديّ بن الرقاع : " قلمٌ أصابَ من الدواة مِدادها " ( 2 )
--> ( 1 ) شرح نهج البلاغة : 7 / 202 . ( 2 ) صدره : " تُزجي أغنَّ كأنّ إبرة روقة " ( أمالي للسيّد المرتضى : 4 / 37 ) .